العيني
205
عمدة القاري
( الفخار ) ، بفتح الفاء وتشديد الخاء ، وهو ضرب من الخزف يعمل منه الجرار والكيزان وغيرها . ويُقَالُ مُنْتِنٌ يُرِيدُونَ بِهِ صَلَّ كَما يُقالُ صَرَّ البابُ وصَرْصَرَ عِنْدَ الإغْلاَقِ مِثْلُ كَبْكَبَتُهُ يَعْنِي كَبَبْتُهُ أراد بهذا أنه جاء في اللغة : صلصال ، بمعنى : منتن ، ومنه : صل اللحم يصل صلولاً أي : أنتن ، مطبوخاً كان أو نياً . وأشار بقوله : يريدون به صَلَّ ، إلى أن أصل : صلصل ، الذي هو الماضي : صل ، فضوعف فاء الفعل فصار صلصل ، كما يقال : صر الباب إذا صوت عند الإغلاق ، فضوعف فيه كذلك ، فقيل : صرصر كما يقال : كبكبته في كببته بتضعيف الكاف ، يقال كبيت الإناء أي : قلبته . فَمَرَّتْ بِهِ اسْتَمَرَّ بِها الحَمْلُ فأتَمَّتْهُ أشار به إلى ما في قوله تعالى : * ( فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به ) * ( الأعراف : 981 ) . وفسرها بقوله : استمر بها الحمل حتى وضعته . والضمير في قوله : فمرت به ، يرجع إلى حواء ، عليها الصلاة والسلام ، وسيأتي هذا في تفسير سورة الأعراف . أنْ لاَ تَسْجُدَ أنْ تَسْجُدَ أشار به إلى ما في قوله تعالى : * ( ما منعك ألاَّ تَسجد ) * ( الأعراف : 21 ) . ثم نبه على أن كلمة : لا ، صلة كذلك فسره بقوله : أن تسجد ، وقيل : فيه حذف تقديره : ما منعك من السجود فأحوجك أن لا تسجد إذا أمرتك . 2 ( ( بابُ قَوْل الله تعالى : * ( وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً ) * ( البقرة : 03 ) . ) ) أي : هذا باب في بيان قوله تعالى : * ( وإذ قال ربك . . . ) * إلى آخره ، يعني : أذكر يا محمد حين قال ربك للملائكة . . . الآية ، أخبر الله تعالى بامتنانه على بني آدم بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم بقوله : * ( وإذ قال ربك ) * وحكى ابن حزم عن أبي عبيدة أنه زعم أن : إذ ، ههنا زائدة وأن تقدير الكلام : وقال ربك ، ورد عليه ابن جرير : قال القرطبي : وكذا رده جميع المفسرين حتى قال الزجاج هذا اجتراء من أبي عبيدة . قوله : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) ، أي : قوماً يخلف بعضهم بعضاً ، قرنا بعد قرن وجيلاً بعد جيل ، كما قال تعالى : * ( وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ) * ( الأنعام : 561 وفاطر : 92 ) . قال أكثر المفسرين : وليس المراد هنا بالخليفة آدم ، عليه الصلاة والسلام ، فقط كما قاله طائفة إذ لو كان المراد آدم عيناً لم حسن قول الملائكة : * ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) * ( البقرة : 03 ) . وقولهم : * ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) * ( البقرة : 03 ) . ليس على وجه الاعتراض ، ولا على وجه الحسد ، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك مع أن فيهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، أي : نصلي ، ولا يصدر منا شيء خلاف ذلك ، فقال الله تعالى : في جوابهم * ( إن أعلم ما لا تعلمون ) * ( البقرة : 03 ) . أي : إني أعلم بالمصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ، فإني سأجعل فيهم الأنبياء والرسل ، ويوجد فيهم الصديقيون والشهداء والصالحون والعبَّاد والزهاد والأولياء والأبرار المقربون والعلماء العاملون والخاشعون والمتبعون رسله ، وفي هذا المقام مقال كثير ليس هذا الكتاب موضعه ، وإنما ذكرنا نبذة منه لأجل الترجمة . قال ابنُ عَبَّاسٍ * ( لمَّا عَلَيْهَا حَافِظ ) * ( الطارق : 4 ) . إلاَّ عليْها حافِظٌ أشار به إلى ما في قوله تعالى : * ( إن كل نفس لما عليها حافظ ) * ( الطارق : 4 ) . ثم فسر بأن : لما ، هنا بمعني : إلاَّ التي هي حرف الاستثناء ، واختلف القراء في تشديد : لما ، وتخفيفه ، فقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتشديد على أن تكون : إن ، نافية ، وتكون : لما بمعنى إلاَّ ، وهي لغة هذيل ، يقولون نشدتك الله لما قمت ، يعنون : إلا قمت ، والمعنى : ما نفس إلاَّ عليها حافظ من ربَّها ، والباقون قرأوا بالتخفيف جعلوا : ما ، صلة ، وإن ، مخففة من الثقيلة أي : إن كل نفس لعليها حافظ من ربها يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكتسب من خير